السيد محمد بيرم الخامس التونسي

158

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

اللّه ، وتبين أن ذلك المعدن غير ملائم وهو نظري ووافقني عليه الحكيم « شاركو » وإن كان الطبيب « فيغرو » يرى أنه موافق ، بمعنى أنه لما أحدث تأثير أدل على تأثير للبدن منه ، لكني أقول : إن البدن يتأثر منه بالضرر لا النفع ولم أعد إليه ولا لغيره ذلك اليوم حذرا على البدن من كثرة الاضطراب ، ثم جربنا النحاس وهو أيضا غير موافق كما تقدم غير أنه لم يحدث هيجانا كبيرا ، ثم جربنا الفضة فلم توافق ولم تضادد بدليل موازنة ميزان القوة والنبض ، ثم جربنا الذهب فكان ملائما بحرارة البدن وزيادة القوة ونشاط النبض ، ولذلك استقرّ الرأي على عمله لكن لا يكتفي فيه بالاستعمال على ظاهر الجلد فقط بل بالشرب أيضا على نحو ما تقدم ، وكل معدن كان تجريبه في يوم خاص . كما عولجت قبل السفر الثاني بماء « البرمور وبوتاسيوم » بإشارة الطبيب « كستلنوفو » ورأى في كميته وأوقاته كيفية رآها الطبيب « منيايني » كثيرة ، فلما استعملها مع المواظبة أكثرت على النوم حتى كدت أن أكون نائما ثمان وأربعين ساعة تماما ، والمقدار هو قدر ملعقة أكل بعد كل ساعة من الماء المذكور ، وبعد رجوعي من باريس والعلاج بالكهرباء على نحو ما مر ، بقيت على العافية وللّه الحمد مدة عام إلّا ستة أيام ، حيث تراكمت الأتعاب الفكرية والبدنية وحوادث في البلد أوجب جميعها السفر ثالثا إلى باريس والاشتغال بغير الدواء في هاته المرة ، مع مصاحبة الأتعاب الفكرية أوجب عدم نجح العلاج السابق وإن خف الألم شيئا ما ، فلما عدت بعد إفراغ المستطاع وجدت الحال في الوطن غير الحال ، وأخلاق الحكومة وإن شئت قلت الوزير بخصوصه غير ما تركته عليه ، كأني أتيت شيئا على غير أمره ، وتحقق لدي ما كنت أتوقعه من السوء لكل ناصح أمين غير مبالي على سوء الأعمال كما سيرد شرحه إن شاء اللّه تعالى ، فعزمت على التوجه لبيت اللّه الحرام ملتجأ إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لكشف الضر الخاص والعام ، فنلنا بجاهه المرام ولا زلنا نؤمل التمام مما التجأنا إليه فيه ومنه حسن الختام . فصل في حكم التداوي شرعا اعلم أن التداوي قد ورد بالهداية إليه القرآن العظيم كما في قوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [ النحل : 69 ] فدلت الآية الشريفة على أن العسل دواء للآلام يستشفى به منها ، كما بيّنه الحديث الشريف الوارد في صحيح البخاري وغيره من قصة الصحابي الذي قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن أخي يشتكي بطنه ، فقال له صلى اللّه عليه وسلم : إسقه عسلا ، ثم عاد وأعاد الشكوى وأعاد له صلى اللّه عليه وسلم صفة الدواء ثانيا ، ثم وقعت الإعادة أيضا ثالثا ، وقال الصحابي : قد سقيته وما زاده إلا انطلاقا ! فقال صلى اللّه عليه وسلم : إسقه عسلا صدق اللّه وكذب بطن أخيك ، ففعل الصحابي وشفي المريض » « 1 » .

--> ( 1 ) الحديث في البخاري برقم ( 5684 - 5716 ) وفي مسلم سلام رقم ( 91 ) وفي الترمذي برقم ( 2082 )